إلى هشام ، هناء ، عصام ، مكرم ، كوثر
و أخيرا رحلت في صمت ، كما كنت دائما ، رحلت مع اليوم الأخير لفصل الصيف ، تحملت الكثير من الألم و المعاناة في كبرياء شامخ ، كنت ألحظه كلما زرتك وكأنك تحاول أن تبتلع كل هذا العجز الذي أصابك فجأة ، واستمر لسنوات في تفاقم مرعب ، حاولت بكل إصرارك المعهود أن تتعايش مع هذا المرض الذي أنهك الجسد النحيل ، وترك مخلفات أهمها ما أصاب الحنجرة فمنعك الكلام والأكل إلا بصعوبة بالغة ، وأنت الأستاذ القدير الذي طالما صدح صوته في القسم معلما ومصححا ومعاتبا بل ومعاقبا ، أستاذيتك رافقتك في البيت وفي كل مراحل حياتك ، كنت تمارسها حتى في لحظات الصمت القاتلة التي فرضت عليك عزلة خاصة امتنعت في كبرياء عن رؤية أو لقاء الناس ، وكأنك تقطف أخر زهرة للحياة .... توالت الأيام طويلة ممتدة في زمن الألم والمكابرة والكثير من المجاهدة ، و الجميل أنها لم تمنعك من نسج بعض العبارات الساخرة التي كانت تتخلل لحظات المرض ، وظل أبناؤك حولك في محاولة التخفيف من كل ما كان يلحق بك ، ظلوا حولك في تيمن بأن تشفى من كل هذه الأسقام ...لكنك أخبرتهم في استعجال أن ما يخشونه قادم لا محالة ، وأنك راحل قريبا .... ظنوا أنه كلام عابر واستمروا في الأخذ بكل الأسباب التي يمكنها أن تساعد في تمديد أيامك إلى أن لفظت نفسك الأخير آخر صباح من صيف ساخن طويل ....من كان معك لم يصدق الأمر ...مستحيل أن ترحل هكذا وأنت المكابر ...حاولوا أن ينقذوا الموقف بين الصراخ و البكاء ...لكن روحك كانت قد التحقت ببارئها في سلام ، بعد رحلة صعبة الأيام ...ساعات وانتقلت إلى السفح المجاور وسط مقبرة ارتفعت فيها الأعشاب والنباتات المؤنسة لأرواح عبرت هذه الحياة الفانية ...إنتهت المراسيم وانتهى معها حضورك الرزين وسط أسرتك التي عادت من الدفن غارقة في حزن كبير ...أثرك شاهد عليك ...سريرك ، ملابسك ، كتبك ، خطواتك ...كل شيء يذكر برحيلك ...رحيل معلم انتمى للعلم أكثر ما انتمى لأي شيء ، رجل علم أجيال ، رجل لم ينقطع عن التعلم طوال حياته بإصرار ومواظبة وتحدي ...رجل قد يكون أخر الرجال المحترمين .... ألف رحمة ونور على روحك .
ربيعة المنصوري
فاس